الثعالبي
510
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
الغار ، وإنهم دفنوا ذلك في بناء الملك على الغار ، وروت فرقة ، أن الملك لما علم بذهاب الفتية ، أمر بقص آثارهم إلى باب الغار ، وأمر بالدخول عليهم ، فهاب الرجال ذلك ، فقال له بعض وزرائه : " ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم ؟ قال : نعم ، قال : فأي قتلة أبلغ من الجوع والعطش ، ابن عليهم باب الغار ، ودعهم يموتوا فيه ، ففعل ، وقد ضرب الله على آذانهم كما تقدم ، ثم أخبر الله سبحانه عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف ، أي : دخلوه وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة ، وهي الرزق فيما ذكره المفسرون ، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدا ، خلاصا جميلا ، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم ، وألفاظهم تقتضي ذلك ، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها ، وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقط ، فإنها كافية ، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة . وقوله تعالى : ( فضربنا على آذانهم . . . ) الآية : عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم . وقوله : ( عددا ) نعت ل " لسنين " والقصد به العبارة عن التكثير . وقوله : ( لنعلم ) : عبارة عن خروج ذلك الشئ إلى الوجود ، أي : لنعلم ذلك موجودا وإلا فقد كان سبحانه علم أي الحزبين أحصى الأمد ، و " الحزبان " : الفريقان ، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية ، إذ ظنوا لبثهم قليلا ، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على / عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية ، وهذا قول الجمهور من المفسرين ، وأما قوله : ( أحصى ) فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض ، و ( أمدا ) منصوب به على المفعول ، " والأمد " : الغاية ، ويأتي عبارة عن المدة ، وقال الزجاج : ( أحصى ) هو " أفعل " ، ويعترض بأن " أفعل " لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ ،